ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

379

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ذلك ، وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر ؛ وأنا أستكذب راوي هذه الحكاية ، ولا أصدقه ؛ فإن البحتري عندي ألبّ من ذلك ، وهو عارف بأسرار الكلام ، خبير بأوساطه وأطرافه ، وجيده ورديئه ، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل : لمّا وضعت على الفرزدق ميسمي * وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل « 1 » فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد . ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا ربّ تغزل ومديح وهجاء وافتخار ، وقد كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله : وعاو عوى من غير شيء رميته * بقافية أنفاذها تقطر الدّما « 2 » وإنّي لقوّال لكلّ غريبة * ورود إذا السّاري بليل ترنّما خروج بأفواه الرّواة كأنّها * شبا هندوانيّ إذا هزّ صمّما « 3 » غرائب آلاف إذا حان وردها * أخذن طريقا للقصائد معلما ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء . وسأذكر من هجاء الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليها ؛ فمن ذلك قوله : وقد زعموا أنّ الفرزدق حيّة * وما قتل الحيّات من أحد قبلي

--> ( 1 ) في ا ، ب ، ج « لما وضعت على الفرزدق منسمي » وهو تصحيف ، وتحقيقه عن النقائض . ( 2 ) في النقائض والديوان « بقارعة أنفاذها تقطر الدما » ويروى « أقطارها تقطر الدما » وفي ا ، ب ، ج « بقافية أنفادها يقطر الدما » . ( 3 ) في ا ، ب ، ج « جروح بأفواه الرواة » وفيها « إذا هز صمصما » وما أثبتناه عن النقائض والديوان ، وفيهما « قرى هندواني » والقرى : الظهر .